الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

450

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

في الدنيا ، راغبا في الآخرة فثبت له الملك ( 1 ) . « ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره » روى الجزري في ( أسده ) عن عبد اللّه بن أبي الحمساء قال : بايعت النبيّ صلى اللّه عليه وآله ببيع قبل أن يبعث ، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك ، فنسيت يومي هذا والغد ، فأتيته في اليوم الثالث ، وهو في مكانه فقال لي : يا فتى لقد شققت عليّ ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك ( 2 ) . وكانت أعداؤه معترفين بكماله في محاسن الأخلاق وفي أمانته ، فكانوا يسموّنه الأمين قبل نزول الوحي عليه ، ورضيت مشايخ قريش بحكميته في وضع الحجر لأمانته وصادقيته . ولمّا قال تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 3 ) صعد على الصفا وهتف : يا صباحاه فاجتمعوا ، فقال لهم : أرأيتكم أنّ خيلا تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدّقي قالوا : نعم ، ما جربّنا عليك كذبا . قال : فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 4 ) . وكان صلى اللّه عليه وآله يوم فتح مكّة أهدر دم عبد اللّه بن أبي سرح - أخي عثمان من الرضاعة - فأتى عثمان به إليه صلى اللّه عليه وآله مستشفعا ، وجعل يكلمّه فيه وهو ساكت ، حتّى اضطرهّ إلحاحه إلى العفو عنه ، فذهب به ، فقال صلى اللّه عليه وآله لأصحابه : هلّا قتلتموه إذ سكتّ ، وقد كنت أمرتكم قبل بقتله ، ولو كان متعلّقا بأستار الكعبة فقالوا : انتظرنا أن تومي بمؤخر عينك . فقال : إنّ الأنبياء لا يقتلون بالإيماء ( 5 ) .

--> ( 1 ) أسد الغابة لابن الأثير الجزري 3 : 146 . ( 2 ) المناقب لابن شهرآشوب 1 : 123 . ( 3 ) الحجر : 94 . ( 4 ) الطبقات لابن سعد 1 ق 1 : 133 وغيره ، مرّ الحديث وتخريجه في العنوان 6 و 15 من هذا الفصل ، والآية 46 من سوره سبأ . ( 5 ) السيرة لابن هشام 4 : 39 والمغازي للواقدي 2 : 855 ، وتاريخ الطبري 2 : 335 سنة 8 وغيرهم .